ابن أبي الحديد
345
شرح نهج البلاغة
ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ( 1 ) . وقال الزمخشري : إن النوى المنقع بالمدينة ينتاب أشرافها المواضع التي يكون فيها التماسا لطيب ريحه ، وإذا وجدوا ريحه بالعراق هربوا منها لخبثها ، قال : ومن اختلف في طرقات المدينة وجد رائحة طيبة وبنة ( 2 ) عجيبة ، ولذلك سميت طيبة ، والزنجية بها تجعل في رأسها شيئا من بلح وما لا قيمة له ، فتجد له خمرة لا يعدلها بيت عروس من ذوات الاقدار . قال : ولو دخلت كل غالية وعطر قصبة الأهواز وقصبة أنطاكية لوجدتها قد تغيرت وفسدت في مدة يسيرة . أراد الرشيد المقام في أنطاكية ، فقال له شيخ منها : إنها ليست من بلادك ، فإن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع منه بشئ ، والسلاح يصدأ فيها . سيراف من بلاد فارس ، لها فغمة طيبة . فأرة المسك دويبة شبيهة بالخشف ( 3 ) تكون في ناحية تبت تصاد لأجل سرتها ، فإذا صادها الصائد عصب سرتها بعصاب شديد وهي مدلاة ، فيجتمع فيها دمها ، ثم يذبحها ، وما أكثر من يأكلها ، ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعر حتى يستحيل الدم المحتقن فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا ، وقد يوجد في البيوت جرذان سود يقال لها : فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها . وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ قال : سألت بعض أصحابنا المعتزلة عن شان المسك فقال : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله تطيب بالمسك لما تطيبت به ، لأنه دم ، فاما
--> ( 1 ) ديوانه 41 . ( 2 ) البنة : الرائحة مطلقا . ( 3 ) الخشف ، ولد الظبي .